ابن يعقوب المغربي

509

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

التنقية من الأثر المحسوس ، لكن كثر استعماله في المعاني حتى صار حقيقة عرفية ، فباعتبار الأصل يكون إطلاق الصبغ على معنى التنزيه عن رذيلة الكفر مجازا مرتبا على مجاز ، وباعتبار كثرة الاستعمال يكون مجازا محضا عن أصل ، فلفظ الصبغة إنما عبر به عن معنى التطهير على وجه التجوز ، ولا ينافي ذلك كونه مشاكلة باعتبار صحبته لما يعبر به عنه حقيقة أو مجازا كما تقدم ، والصحبة هنا تقديرية ؛ إذ لم يذكر لفظ الصبغة لمعنى آخر فيكون اللفظ المذكور للمشاكلة الذكرية . ولما كانت الصحبة التقديرية تحتاج إلى ما يدل عليها أشار إلى ما يدل على المقدر ببيان أصل النزول المصحح لأصل هذا التعبير فقال ( والأصل فيه ) أي في نزول الآية المشتملة على التعبير بلفظ الصبغة ، أو الأصل في التعبير بلفظ الصبغة في الآية المنزلة ، ومآل الاحتمالين واحد ( أن النصارى ) أي : الأصل فيما ذكر أن النصارى ( كانوا يغمسون أولادهم ) أي يدخلونهم ( في ماء أصفر ) يوكل به القسيس منهم ، ويضع فيه الملح لئلا يتغير بطول الزمان فتغتر عامتهم بعدم التغير ، ويقولون : إن ذلك من بركة القسيس كما يغترون بإظهاره الزهد ، فجعلوا استغفاره موجبا للمغفرة ، وفوضوا إليه أمر النساء فيباشر أسرارهن إن شاء وهم راضون بذلك أخزى اللّه فعلهم . ( يسمونه ) أي : يسمون ذلك الماء ( المعمودية ، ويقولون : إنه ) أي الغمس في ذلك الماء ( تطهير لهم ) من غير دينهم المحمود عندهم - لعنة اللّه عليهم - فإذا فعل ذلك أحدهم ، أي : غطس ولده في ذلك الماء بين يدي القسيس ، قال الآن صار نصرانيا حقا وتطهر من سائر الأديان ، ولما كان التغطيس إنما هو في الماء الأصفر الذي من شأنه أن يغير لون المغطس ناسب أن يسمى ذلك التغطيس بهيئة من الصبغ لكونه بماء مخصوص بصبغ لغرض مخصوص ، فكأنهم قالوا الصبغة بذلك الماء ، وإطلاق الصبغة المقدرة على التغطيس مجاز سواء أريد نفسه إذ لا يصبغ حقيقة ، أو أريد لازمه عندهم ، وهو التطهير من سائر الأديان ، وكذا التعبير بالصبغة عن التطهير بالإيمان مجاز وهو هيئة مخصوصة ؛ لكونه تطهيرا مخصوصا عن شيء مخصوص ، ولما كان هذا حالهم ونزلت الآية للرد عليهم في ذلك صار التعبير بالصبغة عن الإيمان الحقيقي للرد عليهم إيمانهم التغطيسي